كريم نجيب الأغر

46

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الوحي يمحو الأمية لقد قرأنا في البحوث السابقة عن الثقافة التي كانت سائدة داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها ، فرأينا أن الظلام الدامس كان يسود كل أقطار العالم في المجال العلمي وخاصة في مجال علم الأجنّة في عصر النبوة ، فالعرب في شبه الجزيرة العربية آنذاك كانوا أميين في غالبيتهم ، والقلّة الباقية التي تعلمت القراءة والكتابة لم تكن بارعة في العلوم الحيوية ، أما الغرب خاصة وبقية العالم عامة بعد القرن الخامس قبل الميلاد ، فكانوا أكثر معرفة ، لأنهم استطاعوا أن يربطوا العلم بالمنطق ولكن هذا لم يفدهم شيئا ، لأنهم أخطئوا في النظريات التي وضعوها والتي كانت لا ترقى إلى مستوى الحقيقة العلمية ، ولأن قلة الوسائل التقنية المتاحة لهم حجزتهم عن مراقبة الأمور عن كثب في الأرحام ، وحالت دون معرفتهم لحقائق الأمور في علم الأجنّة . وهكذا فإن التاريخ يشهد أنه لم يكن هناك أي تدوين مميّز شامل للتخلّق البشري كالتصنيف المرحلي ، وعلم المصطلحات ، والوصف لمجريات الأمور في الأرحام ، كما أن التاريخ يشهد أنه لم يكن هناك أية وسيلة لمراقبة ما يجري في الأرحام في عصر النبوة . فهل يعقل - والحال هذه - أن يكشف الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - حقائق علمية لم تكن موجودة آنذاك في العلوم البشرية لولا وحي السماء ؟ . لقد رأينا كيف أن الأمية والجهل يولّدان مجرد خيالات بعيدة عن الدقة كما في حالة اليونانيين ، بالرغم من أنهم كانوا أكثر الشعوب تطورا في مجالات العلوم ، فأنّى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم المقدرة على كشف حقائق علمية هي في أقصى الدرجات من الدقة إلا بإعجاز قاهر ، من رب قادر ، وقد عجز كثير من العلماء عن الإتيان بالقليل منها ولو بصورة مبسطة ، حتى بعد أن اكتشفوا المجهر ، وبعد أن انكبوا على مراقبة الأجنّة ؟ . إلى غير ذلك ، فتقديم وصف علمي لمراحل التخلّق البشري يتطلب الحصول على عدد كبير من الأجنّة البشرية في عمر معين ودراستها ، ويصعب تماما حتى في يومنا هذا تجميع مثل هذه السلسلة ، كما يحتاج إلى أجهزة متطورة جدا لم تكن متصوّرة في عصر النبوة في أي قطر من أقطار العالم ( كالمجهر الألكتروني ، وآلات التصوير الأخرى ، وقياس الشدة النسبية لأجزاء الطيف ، والحاسوب ، ومجموعة